من الأطر النظرية إلى المؤسسات الفاعلة
محاكاة ناومان البرلمانية في التطبيق العملي
اختُتمت محاكاة ناومان البرلمانية (NauSim) بعد خمسة أيام مكثفة من الانخراط السياسي المنهجي، حيث قدّمت للمشاركين تجربة شاملة قائمة على الممارسة العملية للعمل البرلماني. وقد صُممت المحاكاة لمحاكاة الواقع التشريعي والإجرائي، وانتقلت بشكل تدريجي من الأسس القانونية إلى جلسات الهيئة العامة الكاملة، بما أتاح للمشاركين اختبار العمليات البرلمانية بأبعادها المؤسسية والسياسية والإجرائية.
وبدل التعامل مع الحوكمة الديمقراطية كمفهوم نظري مجرّد، وضعت NauSim المشاركين داخل آلياتها الفعلية—القوانين، اللجان، المفاوضات، واتخاذ القرار—مسلطة الضوء على المسؤوليات والقيود التي تشكّل جوهر الحياة البرلمانية.
اليوم الأول: إرساء الإطارين القانوني والسياسي
ركّز اليوم الأول من المحاكاة على ترسيخ فهم المشاركين للسياق القانوني والمؤسسي الذي تستند إليه الأنظمة البرلمانية. وتناولت الجلسات قانون الانتخاب، وقانون الأحزاب السياسية، والمبادئ الأساسية للديمقراطية الليبرالية، بهدف بناء قاعدة معرفية مشتركة قبل الانطلاق الرسمي للمحاكاة.
وشددت هذه المرحلة التمهيدية على أهمية الوضوح وتوحيد الفهم. وشارك المشاركون في نقاشات موجهة ربطت بين النصوص القانونية والممارسة السياسية، بما يضمن أن تكون المراحل اللاحقة مبنية على إدراك راسخ للقواعد المؤسسية.
وكما عبّر أحد المشاركين:
«فهم الإطار القانوني منذ البداية غيّر طريقة تعاملنا مع كل نقاش لاحق».
وأكد الميسّرون أن هذه المرحلة التحضيرية كانت شرطًا أساسيًا للمشاركة الفاعلة:
«الممارسة البرلمانية لا تكون ذات معنى إلا عندما يدرك المشاركون الحدود القانونية التي يتحرك فيها الفعل السياسي»، كما أوضح أحد الميسّرين.
اليوم الثاني: الربط بين النظرية والممارسة السياسية
في اليوم الثاني، انتقل التركيز إلى الأنظمة السياسية، والحوكمة الديمقراطية، والأطر الأيديولوجية. واستعرضت الجلسات كيفية ترجمة المبادئ الديمقراطية إلى سلوك سياسي، وتموضع حزبي، وتفاعل برلماني.
وشارك المشاركون في تمارين منظمة أُعدّت لتهيئتهم للمحاكاة من دون إسناد أدوار رسمية بعد، ما أتاح مساحة للتفكير والنقاش، وساهم في تضييق الفجوة بين الفهم النظري والانخراط السياسي التطبيقي.
وقالت إحدى المشاركات:
«ساعدنا اليوم الثاني على ربط الأفكار بالممارسة، ووضّح كيف تتشكّل المواقف السياسية قبل الدفاع عنها».
ووصف أحد الميسّرين هذا اليوم باعتباره مرحلة انتقالية ضرورية:
«تتيح هذه المرحلة للمشاركين التفكير سياسيًا قبل أن يُطلب منهم أن يتصرفوا سياسيًا».
اليوم الثالث: الدخول في المحاكاة البرلمانية
انطلقت المحاكاة رسميًا في اليوم الثالث. تسلّم المشاركون المواد البرلمانية الخاصة بهم وتعرّفوا على انتماءاتهم الحزبية، ليبدأ انخراطهم الكامل في البيئة البرلمانية المُحاكاة.
تلت ذلك اجتماعات داخلية للأحزاب، ناقش خلالها المشاركون الأولويات، ونسّقوا المواقف، ونظموا آليات العمل الداخلي. ثم أُجريت الانتخابات البرلمانية الداخلية، بما في ذلك انتخاب رئيس المجلس ونوابه.
شكّل هذا اليوم انتقالًا واضحًا من التعلّم إلى تحمّل المسؤولية المؤسسية، حيث بات على المشاركين العمل ضمن هياكل إجرائية واتخاذ قرارات جماعية.
وقال أحد المشاركين:
«في تلك اللحظة، تحولت المشاركة إلى مسؤولية. كل مساهمة كان لها أثر على المجموعة».
وأضاف أحد الميسّرين:
«هنا بدأ المشاركون باستيعاب الانضباط البرلماني والمساءلة المؤسسية».
اليوم الرابع: المداولات التشريعية وعمل اللجان
مثّل اليوم الرابع المرحلة الأكثر تعقيدًا من الناحية التقنية. عقدت اللجان البرلمانية اجتماعاتها لمراجعة مشاريع القوانين، وإجراء مناقشات تشريعية معمّقة، والتشاور مع الخبراء.
وقدّمت لقاءات الخبراء دعمًا قانونيًا وفنيًا للمشاركين أثناء إعداد التعديلات وصقل المقترحات. كما عكست عملية التنسيق بين رؤساء اللجان وقادة الكتل تعقيد بناء التوافق داخل الأنظمة البرلمانية.
وأشارت إحدى المشاركات إلى حجم الجهد المطلوب:
«أظهر عمل اللجان مقدار الوقت والتفاوض والدقة التي تتطلبها القرارات التشريعية».
وأكد الميسّرون القيمة التعليمية لهذه المرحلة:
«التشريع ليس عملًا رمزيًا؛ بل يتطلب جهدًا متواصلًا، وتنازلات، وتفكيرًا دقيقًا—وقد جعل اليوم الرابع هذه الحقيقة ملموسة».
واختُتم اليوم بالتحضير العملي لإدارة الجلسة العامة، لضمان الجاهزية الإجرائية للمرحلة النهائية.
اليوم الخامس: الجلسة العامة واتخاذ القرار
شهد اليوم الأخير ختام المحاكاة على المستوى المؤسسي. قدّمت اللجان أعمالها في الجلسة العامة، وناقش المشاركون المقترحات، ودرسوا التعديلات، وانتقلوا إلى التصويت وفق إجراءات منظمة.
عكست هذه المرحلة أعلى مستويات الأداء البرلماني التي برزت خلال البرنامج، إذ جمعت بين الفهم القانوني، والتفاوض السياسي، والوضوح الخطابي، والانضباط الإجرائي.
ولخّص أحد المشاركين التجربة بقوله:
«بحلول اليوم الأخير، بدا المسار مؤسسيًا أكثر منه تدريبيًا».
نهج تجريبي في التعليم البرلماني
على مدار خمسة أيام متتالية، قدّمت NauSim للمشاركين فرصة نادرة لاختبار الدورة الكاملة للعمل البرلماني—من الأسس القانونية والتموضع السياسي، إلى المداولات التشريعية واتخاذ القرار الجماعي.
وقد تطلّب البرنامج التزامًا مستمرًا، وساعات عمل طويلة، وتعاونًا متواصلًا. وأظهر المشاركون مستوى عاليًا من الجدية والانخراط في الجوانب التقنية والسياسية للمحاكاة.
واختتم أحد الميسّرين بقوله:
«لا تهدف NauSim إلى تبسيط الحياة البرلمانية، بل إلى كشف تعقيدها، وتتوقع من المشاركين الارتقاء إلى مستوى هذا التحدي».